كيف هو الأدب الروسي بالروسية؟ -1- أنطون تشيخوف

أربعة أخماس من قرأوا الأدب الروسي مترجمًا، ظلت في دواخلهم هذه الرغبة المكبوتة المستمرة في خيالهم بشأن قراءة هذا الأدب المترجم بلغته الأصلية. عرفتُ الأدب الروسي أوّل مـــا عرفته في عمر الـ15 عن طريق الإنكليزية وليس العربيّة. وكان جميلاً بالنسبة لي في الواقع أن أستقبل هذا الأدب عن طريق الإنكليزية وليس العربية كما استقبلته الغالبية. لمـــاذا؟ ليس موضوعنا، لنعد الآن لإجابة السؤال: كيـــــف هو فعلاً هذا الأدب بلغته الأصلية؟

قبل أيّ شيء: هناك فارق بين كتابة أسماء الأدباء الروس، وبين طريقة لفظها (هذا موجود أيضًا في الإنكليزية). فإن أسماء: تشيخوف، دوستويفسكي، تولستوي، دوبرولوبوف…إلخ يتم كتابتها بالروسية حرفيًا كما هي في الترجمة العربية، لكن يختلف نطقها. تشيخوف (كتابة) = تشيخف (نطق). دوستويفسكي (كتابة) = دستايفسكي (نطق). تولستوي (كتابة) = تلستوي (نطق). دوبرولوبوف (كتابة) = دبرالوبوف (نطق)..إلخ فالروس لا ينطقون هذه ال(و) الطويلة، وإنما يخففونها بنطقها كفتحة خفيفة وفقًا للمقطع الذي عليه النبرة/stress.

أنا أحبّ “تشيخوفا”؛ لأنه يعرف كيـــــف يستخدم اللغة جيدًا، بعبارة أخرى، إنه لا يثرثر، لا يستطرد في الوصف، لا يستعرض عضلاته اللغوية، إنه يعطي إشارات ذات مغزى. إنّ القصة التشيخوفية تتسم بأنها في الغالب تبتدئ بداية غير معقولة ولامنطقية، ثم في المنتصف تقريبًا يبدأ يظهر خيط الفكرة، وفي النهاية تصدمك مرارة الفكرة بسخريتها الشديدة ودراميتها اللامحتملة.

كيـــــف يكتب تشيخوف بالروسية؟

إنّ المترجم الذي ترجم تشيخوف للعربية، يحشر في النص الكثير من الـ “واوات” و”الفاءات” للعطف وللاتباع، وهذه جريمة في حق أسلوب تشيخوف. لأن تشيخوف لا يستخدم حرف العطف على الإطلاق، إنه يكتفي بوضع الفواصل بين الجمل القصيرة فحسب، وإذا استخدم حرف العطف (واو)، فإنه يستخدمه بمعنى (ثم) ونادرًا أيضًا مـــا يفعل.

جمل تشيخوف في العموم مختصرة إلى أكثر حد يمكن للقارئ أن يتخيله، فمثلاً هو يستخدم حروف الجر دون الفعل الذي يلحق بها. تشيخوف لا يقول: “كولداروف اصطدم بذراع الزحافة.” – بل يقول: “كولداروف بذراع الزحافة.” لا يقول: “كولداروف كان يشرب مع سيميون بيتروفيتش.” – بل يقول: “كولداروف مع سيميون بيتروفيتش.” المترجم لا يستطيع بالطبع أن يترجم الجملة حرفيًا، وبالتالي يضطر إلى مطها وإضافة الفعل المناسب لحرف الجر الذي استخدمه تشيخوف.

يستخدم تشيخوف تعبيرات عامية فجة على لسان الأبطال، والتي من المستحيل أن يتم نقلها إلى الفصحى، ويمكن نقلها إلى العامية جزئيًا. مثلاً كولداروف في قصة (فرحة) يخاطب أمه وأباه بكلمتي (ماماشا) (باباشا) بالروسية، وهما كلمتان عاميتان للغاية، ترجمها المترجم إلى (ماما، بابا) وهذا خطأ شنيع، لأن الموروث الثقافي عندنا يوحي أن كلمتي (ماما، بابا) لا تستخدمهما إلا الطبقات الرفيعة، في حين أن تشيخوف أراد العكس تمامًا. يمكن فقط ترجمة كلمتي (ماماشا، باباشا) إلام يقابل في العامية (يمّا، أمّاي) (يابا، يابوي).

يستخدم تشيخوف أمثال شعبية كثيرة، وتعبيرات يولدها هو بنفسه، أو بمعنى آخر يخترعها. فمثلاً عندما دخل كولداروف على أبويه وهو في حالة فرحة عارمة قالا له حرفيًا بالروسية: “عليك وجهًا لا يوجد.” وأعتقد لــــو أن المترجم قضى عمره كله يحاول أن ينقل التعبير كما هو من الروسية للعربية، لالقى نفسه في البحر؛ لأنه بالفعل لن يكون مفهومًا بأية طريقة. لذلك يضطر المترجم إلى حذف التعبير تمامًا واستخدام المعنى المراد: “وجهك شاحب للغاية.”

تشيخوف

مـــا الفرق بين الأدب الروسي بالروسية والمترجم؟

  1. الفرق هو أن تقرأ التعبير الروسي: “عليك وجهًا لا يوجد.” في حين أن تقرأ الترجمة للتعبير: “وجهك شاحب للغاية.”
  2. في السطر الأخير لرواية مذكرات قبو لدوستويفسكي يقول الأديب حرفيًا بالروسية: “لكن لنا أيضًا يبدو أن هنا يمكن و التوقف.” في حين أن تقرأ الترجمة للجملة نفسها: “لكن، يبدو لنا نحن أيضًا، أن بالإمكان التوقف هنا.”

هل ظهر الفارق؟ أجل، الترجمة مـــا هي إلا إعادة ترتيب للجملة الروسية المبعثرة. كلّ الجمل الروسيّة تقريبًا على هذه الوتيرة، الضمائر كلها في أوّل الجملة، والأفعال في آخر الجملة، وفي المنتصف تنحشر ظروف المكان والزمان وحروف العطف والعاطفة وكلمات التقوية.

شخصيّة واحدة بأسماء عديدة، كيف؟

الأربعة أخماس نفسهم الذين قرأوا الأدب الروسي مترجمًا، في كثير من المرات عندما كانوا يقرأون عن أيّ بطل في القصص يجدون أنّ الكاتب قد ذكر له مـــا لا يقلّ عن أربعة أسماء! أربعة أسماء للشخص نفسه! كيـــــف؟

الاسم:

في مسرحية تشيخوف “بستان الكرز”، اسم البطلة مالكة البستانا لوبوف أندرييفنا رانيفسكايا. هذا يعني الآتي:

  • اسمها الشخصي: “لوبوف”، لا يناديها بهذا الاسم إلا الأقرباء والأصدقاء، أو من يريد التودد إليها. وقد يريد أحدهم التودد أكثر لها فيناديها بلقب تدليل مشتق من اسمها: “لوبا”.
  • اسم أبيها: “أندريف” وهي اسمها: “أندرييفنا” – ابنة السيد أندريف. وهذا النداء للاحترام.
  • اسم عائلتها: “رانيفسكايا”، وهذا ليس اسم عائلتها هي، بل اسم عائلة زوجها.

أي امرأة تتزوج تحمل اسم عائلة زوجها في صيغة المؤنث. مثال:
أنّا جريجوريفنا سنيتكينا، مؤلفة المذكرات المعروفة، عندما تزوّجت دوستويفسكي، صارت تحمل لقب عائلته في الصيغة المؤنثة، فصار اسمها: آنّا جريجوريفنا دوستويفسكايا.

التصغير:

في اللغة الروسية، أيّ كلمة قابلة للتصغير. حرفيًا أيّ كلمة سواء كانت فعلاً أو ظرفًا أو اسم علم أو اسم ذات. والتصغير يكون بهدف: التدليل، التدليع، التودد، التحقير، التعظيم، تصغير حجم الشيء. لنأخذ أمثلة على تصغير الأسماء، ولأنه من الصعب طبعًا ذكر كلّ الأسماء، بل من المستحيل، فسأذكر الاسمين المذكر والمؤنث اللذين أحبهما وأشكال تصغيرهما:

آنّـا Anna: ولأن العبرانيين يعتبرون أن أيّ اسم ينتمي بالأصل إلى اللغة العبرية القديمة (سنسلّم بهذا، كلّ الأسماء أصلها عبري) المهم، الاسم معناه بالعبرية القديمة: شجاعة، قوّة، مجد. وكانت آنا هي أم العذراء، أيّ أنها جدة المسيح. يمكن تصغير اسم آنّا إلى الأشكال التالية: “أنيا، أنة، أنوتشكا، نيورا، أنيتشكا، أنّوشكا، أنّوسيا، آسيا، نوسيا، نونيا، أنيورا، نيوراسيا، نيوراشا، أنيوشا، أنوشا، نيوشا، نانا، أنيوتا، أنوسيا.” كثير؟ أ ليس كذلك؟

أنطون – Anton: الاسم ليس أصله عبراني كما العادة، سبحـــان الله! الاسم أصله إغريقي، وكان يطلق فقط على المولود الأول (الابن البكر)، الصيغة اليونانية له هو أنطونيوس، ويعني كذلك المحارب القوي. المهم، يمكن تصغير اسم أنطون إلى الأشكال التالية: أنيوخا، أنطوشا، طوني، أنطي، طوشا، أنطونكا، أنطونيا، أنطوسيا، طوسيا، أنطيا، أنطو، أنطوش، أنطوص، طيطوان، طونيو، نينو.

بالطريقة نفسها، أيّ اسم يمكن تصغيره إلى عدد كبير من الأشكال للتدليل، ويمكن أن يخترع الأفراد بين بعضهم البعض أشكالا أخرى من تأليفهم. أ لا تريدون معرفة تصغير اسم مـــا؟

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

عن الكاتب

نور الدّين محمّد

دارسٌ للغة الروسيّة و آدابها، و مترجمٌ عنها.

تعليق

نشر..