مجتمع

حين تصبح التحركات الحقوقية مبالغة في الغضب تتجه نحو القصاص

الكاتب: راسم علي

 علينا أن نقرّ بحقيقة أنّ كلّ هذه المواضيع جميلة ورائعة: حقوق المرأة، حقوق الحيوان، نقد الأديان.. إلخ وهي مطلوبة لذاتها لكن، قيمة كلّ هذه الأمور تأتي من مبدأ التعاطف والتكافل كمصلحة كبرى للمجتمع. وبناء عليه فإنّ العنصرية في أيّ منها وجعله أهمّ من الحياة الإنسانية لأيّ طرف هو خروج عن المعنى الأصلي المفترض لكلّ التحركات الحقوقية ومناقَضة لأهدافه.

لفت نظري في الفترة الأخيرة صعود مجموعات الرفق بالحيوان على حساب الإنسان، إنه من المنفّر أن نجد من يعترض على قتل أسد قفز في في قفصه شخص بغرض الانتحار، لمجرد إنقاذ الشخص، أو قتل غوريلا، بطريقة ما أمّ مهملة وصل طفلها لداخل قفصها، بغرض إنقاذ الطفلة. وبالتوازي، مثل مجموعات الدفاع عن حقوق الحيوان، توجد مجموعات حقوقية أخرى ترتكز تحرّكاتها على القصاص. لا ننفي أنّ أزواجا فعلا يضربون زوجاتهم وآباء يعذّبون أبناءهم وهؤلاء “أناس سيئون” لكن، ثمة عقاب. من المفترض أنّ الاهتمام في الأصل، بالفرد الذي وقعت عليه الجريمة. فلا تتحول هذه الحوادث لمجرّد دعوات لإراقة الدم وسب المجتمع بكليّته وكأنّ هذا لب الموضوع وجوهره: “الفئة الواقعة تحت الظلم أفضل من الباقين”.

 لو كان بنظر الشّخص أنّ فئة كهذه فعلا أفضل، فهو إذا جزء من المشكلة لا الحلّ. فإذا اختار المجتمع مثلا الذكورية طريقا فالأنثوية -إن صحّت التسمية- كبديل ليست أفضل كثيرا. بل بالعكس، قلق التغيير الذي سيحصل يجعل بقاء الحال كما هو أفضل. وكذلك الشأن بالنسبة لحقوق الحيوان، إذا كانت تعني أنّ تعاطفنا الذي يُفترض به أن يشمل الإنسان ثمّ يدعو لكافة أشكال الحياة، بشكل ما تجاهل حياة إنسان ووضعه النفسي أو عجز طفل، لا فائدة تذكر إذن من التعاطف. فحتى من من الناحية العمليّة، يظلّ الإنسان الأعلى قيمة ماديا بالنسبة للمجتمع.

في نظري، لربما تنبع هذه المزاعم من غضب وعجز الأفراد المنادين بها عن إحداث أي تغيير يُذكر في ما يهمهم من المواضيع اليومية. فيتّخذون مثل هذه المواضيع حجّة لصبّ جام غضبهم على المجتمع لأسبابهم الخاصة، راسمين خطا حول مجموعة معيّنة ذات رأي معيّن ظاهريا (مثلا “حقوقيو الحيوان” أو “النسويات التحرريات”) لكن، ما تجده في ثنايا الطّرح، هو مجرّد محاولة لفصل الذات عن المشاكل الاجتماعية وإنكار الانتماء لتلك المجموعة ذات المشاكل وبالتالي نفي مسؤولية إيجاد الحلول الجدية والتي تتضمّن العمل الجاد والمخاطر. وهذا إمّا العجز فعلي أو “تعاجز”.

ما يثير الاهتمام أن المجتمع في كلّيته حقا لا يلقي بالا لكون شخص أو مجموعة أشخاص اختاروا أن يمضوا في شأنهم الخاص. فلا داعي لمثل هذا اجتماعيا، وإن كنت أزعم أنه سيء لأنه يوثّر على صورة من يعمل بحق في أيّ من هذه المجالات لكن، ربما يحتاج الشخص نفسه أن يبرّر غضبه، عجزه وتكاسله لنفسه وله الحق في ذلك تحت مظلّة التعبير الحرّ رغم فساد الدعوة شكلا ومضمونا وضررها. الفكرة أنه مهما كانت القضية المطروحة فهي أصلا نابعة من مصلحة المجتمع المشتركة في إعطاء الحقوق لأفراده أو للبيئة للاستمرار والديمومة. حين نجد مجموعات تتجاوز الترتيب لتقلب حقوق الحيوان، حقوق المرأة وحقوق الطّفل ذريعة للمطالبة بإجرات فاشيّة تقفز على حق الناس في الحياة والحرية والرعاية الصحية، فهذه المجموعات لا تدرك فعليا الهدف من الحراك النسائي مثلا. وإنما تعبّر عن غضب خاص بها وتغلّفه ببعض الإيديولوجيا.

الرجل يمرّ بأزمة نفسية، قادته لمحاولة الانتحار. هل نترك الأسد يأكله مثلا؟ هل هذا ما تمليه حقوق الحيوان؟ وهل حياة الأسد أغلى من حياة رجل، أو أنّ حياة غوريلا أهم من حياة طفل؟

البديل بنظري، أن نتساءل أوّلا هل أنّ الطرح الذي أمامنا منطقي ضمن أولويات أكثرها أساسية “الحق في الحياة”؟ إن كان لا، فالأفضل أن نتجاهل هذا النداء. إذا كانت الدعوة تحمل شيئا لا معقولا “أن نعدم الأب المتحرش بابنته أو نطالب بحقوق الكلاب الضالة في بلد يموت فيه الناس لأنّ الكلاب الضالة تنقل أمراضا”. لا نقمعه، فقط نتجاهله لأن من حق مطلقيه التعبير وهم لا يريدون نقاشا منطقيا غالبا، أمّا أن يقترح أحدهم فتح ملجأ مثلا، فهذا كلام معقول. ثمة منطق أولويات.

حجة الطرف الآخر غالبا فاشية ما يواجه، لكنه يرد بفاشية. صخب بلا داعٍ، بدل الاتجاه لأسلوب محترم في دعوة الناس وتبليغ الفكرة. الطرف المحتَجّ عليه مخطئ لكن، أن تناهضه بتوجيه الكرة لملعب آخر لن يفيد. إذا كان تيار الإصلاح والثورة معيبا، كيف يتبعه الناس؟ في هذا التيار ناس ممن يستغل الأمر كـ “Show” ويزينونه وهم في غير علاقة بالأمر من أساسه، لكن إذا تبنيت فعلا الأمر وأعلنت أنها قضيتك، عليك أن تكون عاقلا. ثمة فرق بين الاحتجاج للاحتجاج وبين الحوار لعرض الأفكار والمحاججة. هل بلغنا هذه المرحلة؟ غالبا، لا. أصبحت التحركات الحقوقية غضبا أكثر ما هي اهتمام.

الأمر ليس “نحن وهم”، ليس أن تهضم حقّ الآخر. حدّد أولويتك: تريد التّعبير أو العمل؟ التعبير انفعالي لكن إذا أردت الفعل عليك اتباع منهج وأسلوب. هذا ليس مصادرة لحق التعبير بل لنقول أنّ من يخرج لمجرد المناهضة وطلب القصاص للضحايا لا يحمل الحقيقة ولا يحمل دعوة فعلية مثمرة. إنه وجه فاشي آخر، لا يكاد يختلف عن داعش مثلا. مثله مثل الطرف الذي خرج لانتقاده والتنديد به.

أحدهم قتل كلبا وأنت تقول أنه يستحق الحرق. قتل كلاب مقابل حرق آدميين. كلاهما بشع.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

عن الكاتب

راسم علي

اضف تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

نشر..