أدب أدب وثقافة

عن الشتاء والخواء

الكاتب: نهى سعداوي

لا أريد أن يستعيد هذا الفصل سيطرته عليّ. سئمت من سحابات الكآبة في آخر كلّ سنة وخليط خوف ولامبالاة أدخل به كلّ سنة جديدة. لطالما أحببت الشتاء مع أوهام دفء وقهوة وكتاب. لم أقرأ هذا العام أكثر من خمسة كتب، سبعة على أقصى تقدير. فقدت شهيّة القراءة وما عدت أستطيع دفني في كتاب. ربّما هو رفض للحلّ الذي ألفته وتآلفت وإيّاه زمنا. لست أرغب بعد الآن في الهروب إلى الكتب. أنا أعي البرد بعيون مفتوحة كالأسماك بعيدا عن تخدير العبارات الأدبيّة.

أدرك أنّي وحدي وأنّ غرفتي التي شعرت فيها للمرّة الأولى بالاستقلاليّة باردة. حتى الاستقلاليّة الجزئيّة فقدت نكهتها. أقبع بين سرير ومكتب. غرفتي أشبه بحفرة أو جحر وأنا أقرب إلى الجرذان. جرّبت أن أغادر قريتي وأسافر نحو المدينة التي يدّعي الجميع بأنّها أمّ الحياة والحركة، وبعد؟ شعرت بعد كلّ سفرة بالخواء. لولا صديقي الذي أغرقه ثرثرة في كلّ مرّة، كأنّي قد صمت دهرا عن الكلام، لما شعرت بأنّي انتقلت من مكان إلى مكان.

الشتاء، الخواء.. أنا أشعر بالخواء. لكنّي سأقاتل بما أستطيع لإلّا أهزم مرّة أخرى. لا رغبة لي بالبكاء، ولا جدوى منه سوى الصداع. تعلّمت مع الوقت أن أراقب بصمت، أن أشاهد بصمت، أن أتابع بصمت. يتحرّك العالم من حولي لأحسّن من مهاراتي في المتابعة والملاحظة. ولا شيء آخر، لا شيء. لا يزال الرّجل الذي لا أريده أن يشيب فأفزع، ينتظر أن أنجز شيئا. ماتت امرأة عظيمة في مرحلة الانتظار. فيما تواصل أخرى معاملتي كطفلة لمّا تدخل المدرسة. تحتمل قرفي وتبلّدي وتسايسني، حبّا ورأفة بحالي.

حبيبي مشغول في غزوة جديدة، أو هو يراكم التجارب. وما الحياة إن لم تكن تجارب تتراكم تباعا؟ وما الإنسان إن لم يكن نتاج تراكمات؟ أحاول فقط ممارسة بعض “التخليق” الذي يبرع فيه ليفسّر الأشياء فتتناسب وهواه، حتّى بتّ أتوقّع ما سيفعل بعد كلّ تخليق يجذّر به سلوكا سيأتيه. حاولت أنا أيضا الانشغال لكنّ القادمين في الشتاء والمواسم الرمادية وصفات فاشلة لا تفعل شيئا غير تعميق الأزمة وتمكين المشغول من قلبي أكثر.

صديقي البعيد، لم يكن موجودا هذه الليلة ليكبح جماح أفكاري ويدير دفّتها نحو أفق يعد بضوء، أو ربّما استغليت أنا فرصة غيابه، لأكرّر إسطوانتي المشروخة بصياغة جديدة. فقد اكتشفت مؤخّرا أنّي أجيد صياغة الأفكار. أ ترى يا صديقي؟ أنا أطوّر مهاراتي كما توصيني في كلّ محادثة بلا مناورات. تلميذة نجيبة، كما اعتدت أن أكون لكن كما يقول المشارقة: “على فشوش”.

شتاء 2015

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

عن الكاتب

نهى سعداوي

تونسيّة، متحصلة على الماجستير في اللسانيات الانجليزية. مهتمة بالترجمة ودعم المحتوى العربي. هاوية كتابة. مناصرة للقضية الفلسطينية، لقضايا العرب والمسحوقين أينما كانوا.

اضف تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

نشر..